كتب الاستاذ محمد الدكروري مجلة اخبار الطبيعة
الدكروري يكتب عن الأمانة ما بين الخديعة والخيانة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الوظائف في الدولة ولدى الشركات والمؤسسات والأشخاص أمانة في أعناق الموظفين، فإنهم على أعمالهم مؤتمنون فينبغي لكل موظف أن يتقي الله في نفسه، وفي سبب رزقه، فيحسن في عمله ابتغاء وجه الله، ونصحا لعباد الله، وليحذر من المحاباة والمجاراة، بل يقوم بحفظ ما اؤتمن عليه، وأن يحفظ سر ما استودع عنده لذويه، وأن يحذر أن يدخل عليه شيء منه، وأن يذود جهده أيدي الخونة عنه، وإلا فضحه الله يوم المعاد، على رؤوس الأشهاد فقد قال صلى الله عليه وسلم "من استعملناه على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة" حتى ولو كانت الشركات أجنبية، فحقوقها بعقدها مع دولة الإسلام مرعية، فإنهم بذلك صاروا معاهدين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين فتحرم دماؤهم وأموالهم كما تحرم أموال المسلمين، ومن أخفر معاهدا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وكل من دخل مع غيره.
في عقد مباح من بيع أو شراء أو تأجير ونحو ذلك، فليعلم أنه دخل مع صاحبه في عهد وأمانة، فليحذر الغش فيه والخديعة والخيانة، بل عليه أن يفي بالمطلوب، وأن يبيّن العيوب، مع طيب النفس وسلامة الصدر، وإعطاء الحق من غير نقص ولا بخس ولا قهر، وليحذر المماطلة بتعليل أو تمليل فإن مطل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته، ويعرضه لشؤم عمله ويجر عليه حوبته، وإن المجالس عامة بالأمانات إلا مجلسا يخطط فيه للإجرام من سفك دم حرام، أو انتهاك عرض حرام، أو أكل مال حرام، أو كيد لأهل الإسلام، فتلك مجالس آثمة، يستحق أهلها العقوبة الصارمة، أما المجالس العادية، فهي محترمة لا يجوز أن يفشى مما يقال فيها كلمة، فإذا حدث الرجل في المجلس فالتفت فهي أمانة، فلا يجوز إفشاء سره، وفضح أمره، وأَخص المجالسِ بحفظ السر، وكتمان الأمر، ما يكون بين الرجل وأهله، حين يفضي إليها وتفضي إليه.
وهكذا جعل الله عز وجل الملكية الفردية، فطرة أزلية، في النفوس البشرية وأحاطها في التشريع بسياج من الحماية والاحترام، فكانت حقا مقدسا لأهل دار الإسلام، لا يحل لأحد الاعتداء عليها بوجه من الوجوه، ولهذا حرم الله السرقة والربا والغش والرشوة وتطفيف الكيل والوزن، واعتبر كل مال أخذ بغير سبب مشروع أكلا للمال بالباطل، فقال سبحانه وتعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا تكون تجارة عن تراض منكم" واعلموا أنه من عظم حرمة الأموال أن أي عمل مجيد ولو بلغ الاستشهاد في ميدان الجهاد لا يُكفر خطيئة أخذ المال بغير حق فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا فلان شهيد وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كلا إني رأيته في النار في بردة أو عباءة غلها" ولذا كانت السرقة جريمة من الجرائم التي تفسد المجتمع.
وضررها وشررها يمتد إلى اضطراب الأمن وإشاعة الفوضى وانتشار الخوف والقلق بين الناس والسرقة خلق ذميم وجريمة لا يتصف بها إلا خسيس الطباع، فالسارق عضو فاشل في مجتمعه، لا يعول عليه ولا يطمأن له، عطل سمعه وبصره وعقله عن الإنتاج، وسخرها في أخذ ما عند الناس بالخسة والدناءة واللآمة، والسارق ما يأكله من سرقة فهو سحت وحرام وظلم وعدوان، والسارق يرفع يديه بالدعاء فلا يستجيب الله له، وكيف يستجاب لدعوة سارق ويداه قد تلوثت بسرقة وغصب ما عند الناس؟ سارق البيوت وسارق الأراضي وسارق الأموال العامة لا ينبت جسده إلا من الحرام، ولا يضع في فم أولاده إلا الحرام، وفي قوله تعالى "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" فهذا حكم صريح وأمر واضح من الحكيم العليم ، بقطع يد السارق إذا أخذ مال غيره المحرز خفية بغير رضاه مع بعض الاعتبارات والصفات في السارق والشيء المسروق.
والموضع المسروق منه سواء كان السارق مسلما أو كان ذميا، وسواء كان المال المسروق لمسلم أو كان لذميّ، وهذا معروف في كتب السنة وإنه لحكم رادع وجزاء عادل فيه الخير الكثير للعباد والبلاد، وذلك أن الاقتصاد لا يزدهر، والتجارة العالمية لا تنشط إلا إذا ساد الأمن وامتنع السلب والنهب أما كيف تقطع يد السارق، فالسارق إذا ثبت إدانته بالسرقة تقطع يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمها في زيت لتنسد العروق فيقف الدم، فإن عاد وسرق تقطع رجله اليسرى من مفصل الكعب، فإن عاد فقيل تقطع يده اليُسرى ثم رجله اليمنى وقيل يحبس حتى الموت، تلك هي العقوبة الرادعة للسارق التي أمر بها الحكيم في شرعه العليم بطبائع النفوس الخبير بما يصلحها الرؤوف الرحيم بخلقه، كما قال سبحانه وتعالى "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض " وإنها لعقوبة عادلة أخذ بها المسلمون زمنا طويلا فشفت ونجعت وأفادت.

تعليقات
إرسال تعليق